الحصار

عدد المشاهدات: 863
القسم: مقالات متفرقة متنوعة
نشر بتاريخ: Friday - 04/Nov/2016 @ 22:16

عن علي رضى الله عنه قال:

"إذا ظهر أمر السفياني لم ينج من ذلك البلاء إلا من صبر على الحصار."

/ الفتن ، نعيم بن حماد/

هذا الأثر يتحدث عن حصار سيصيب المسلمين ، وغالباً في الشام و العراق ، و ربما في مصر في مرحلة لاحقة ، و سيكون قبل ظهور السفياني الأخير ، و الذي سيكون الحاكم الجبري الأخير ، و الدجال ما قبل الأخير من الدجاحلة الثلاثة الكبار حسب حديث حذيفة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و سيبدأ ظهور السفياني من الشام كما هو معلوم ، ثم سيتمدد حكمه إلى العراق ، و سيغزو مصر كذلك .
و سيمكن له لفترة قصيرة من الزمن قبل ظهور المهدي

** حسب الأثار الشيعية و بعض الروايات الضعيفة عند أهل السنة مدة التمكين للسفياني هي 9 شهور فقط ، أو مدة حمل امرأة ، والله أعلم
طبعا معظم الأحاديث و الآثار عن السفياني ضعفها علماء المسلمون السنة ، أما رجال الدين الشيعة فالسفياني عندهم من المحتوم وهو من العلامات الكبرى على ظهور الإمام الحجة .

على كل حال ، ما يهمنا في الأثر بغض النظر عن المسائل الخلافية الأخرى هو موضوع الحصار العسكري و الاقتصادي على العراق و الشام ، و ربما مصر ، والذي تؤكده الأحاديث الصحيحة و المتواترة عند أهل السنة و الجماعة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و هذا الأثر يخبرنا أن أولئك الذين استطاعوا أن يصمدوا ، و يصبروا على الحصار الخانق هم الذين سينجون من بلاء و فتنة السفياني ، لأن صبرهم منحهم اللقاح الواقي الذي سيحصنهم من الفتن اللاحقة و المتلاحقة التي ستكون كقطع الليل المظلم

فهل نحن اليوم في زمن الحصار ؟

هل الحصار المفروض حالياً على الشام هو الحصار الممهد لخروج السفياني ، و بالتالي ظهور المهدي و عودة الخلافة الحقيقية على منهاج النبوة ؟

أم أن الوقت لا يزال مبكراً لهذا الحديث ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أخرج مسلم في صحيحه
عن أبي نضرة رضي الله عنه قال : كنا عند جابر بن عبد الله رضي الله عنه فقال :

يوشك أهل العراق ألا يُجبى إليهم قفيز و لا درهم .
قلنا : من أين ذلك يا أبا عبد الله ؟
قال : العجم يمنعون ذلك .
ثم قال : يوشك أهل الشام ألا يجبى إليهم دينار و لا مدي .
قلنا : من أين ذاك ؟
قال : من قبل الروم ؟
ثم سكت هُنيهة ، ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :

" يَكُونُ فِي آخرِ أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا لا يَعُدُّهُ عَدًّا "

قلت لأبي نضرة : أترى أنه (أي ذلك الخليفة) عمر بن العزيز؟
فقال : لا

/ صحيح مسلم /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و أخرج الحاكم في المستدرك على الصحيحين نفس هذا الحديث لكن بتفاصيل أكثر:
عن أبي نضرة ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال :

يوشك أهل العراق أن لا يجيء إليهم درهم ولا قفيز
قالوا : مم ذاك يا أبا عبد الله ؟
قال : من قبل العجم يمنعون ذاك ، ثم سكت هنيهة ثم قال : يوشك أهل الشام أن لا يجيء إليهم دينار ، ولا مدي
قالوا : مم ذاك ؟ قال : من قبل الروم يمنعون ذلك
ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
" يَكُونُ فِي أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا لا يَعُدُّهُ عَدًّا "

ثم قال : " والذي نفسي بيده ، ليعودن الأمر كما بدأ ، و ليعودن كل إيمان إلى المدينة كما بدأ منها حتى يكون كل إيمان بالمدينة .

ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
" لا يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْهَا إِلا أَبْدَلَهَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ ، وَلَيَسْمَعَنَّ نَاسٌ بِرُخْصٍ مِنْ أَسْعَارٍ وَرِزْقٍ فَيَتَّبِعُونَهُ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ "

/ الحاكم في المستدرك على الصحيحين ، حديث صحيح على شرط مسلم /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في هذا الحديث نلاحظ عدة أمور :

أولاً - هذا الحديث يتعلق بالشأن الاقتصادي و المالي بالمقام الأول :
فالكلمات الواردة في متن الحديث معظمها لها علاقة بعالم الاقتصاد و المال ...
يُجبى ، درهم ، دينار ، يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا ، لا يَعُدُّهُ عَدًّا ، رخص بالأسعار ، رزق ...الخ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثانياً - الحديث يخبرنا أن هناك ثلاثة أحداث اقتصادية متسلسلة و مرتبة ستحدث وارء بعضها البعض ولا يفصل بينها فترة زمنية طويلة:
1- حصار العراق
2- ثم حصار الشام
3- ثم الفرج بعد الضيق و العوز على يد خليفة يحثي المال حثياً ولا يعده عداً ...

لكن من هو هذا الخليفة ؟
هل هو المهدي أم هو خليفة آخر بالمعنى المجازي لكلمة خليفة ظهر في عصور سابقة أو سيظهر قبل المهدي الذي سيستعيد الخلافة ؟
الجواب في الملاحظة الثالثة ...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثالثاً- الأحداث الاقتصادية التي يخبرنا بها هذا الحديث تتعلق بآخر الزمان ..
لأن هناك قول النبي الصريح في الجملة التي تربط الأمور و تحدد زمن الحدث :

" يَكُونُ فِي ( آخرِ) أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا لا يَعُدُّهُ عَدًّا"

و عندما سئل أبا نضرة إن كان يرى أن ذلك الخليفة هو عمر بن العزيز؟
فقال : لا

هذا فضلاً على أن شكل ، و تسلسل وقوع الحصارين لم يحدث له مثيل في الفترات السابقة من التاريخ
فقبل الحكم الجبري و التقسيم ، و قبل انشاء مجلس الأمن كان من المستحيل أن يفرض حصار دولي على بلد كبير كالعراق تزيد مساحته عن 400 ألف كيلو متر مربع .
الجيوش الغازية في المراحل التاريخية السابقة كانت تستطيع أن تضرب حصاراً على مدن فقط أو اقاليم صغيرة و ليس على بلدان كبيرة المساحة.

إذن الحديث هو من أحاديث آخر الزمان .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابعاً - بعض المفسرين يقولون رغم أن الأحداث التي يتكلم عنها هذا الحديث هي من أحداث آخر الزمان ، لكنها لم تحدث بعد ، وهي أحداث مستقبلية ، ولا تتعلق بما يجري في عصرنا الحالي

فالحصار الكامل على العراق الذي يتكلم عنه هذا الحديث ، ومصدره كما قال جابر بن عبد الله من قبل العجم لم يحدث بعد حسب رأيهم ، وكذلك الحال بالنسبة الى حصار الشام
و حجتهم في ذلك هي ما يلي :

الحجة الأولى هي أن عملة العراق حالياً ليست الدرهم وإنما الدينار ، و عملة الشام ( أو ما يُسمى بسوريا ) ليست الدينار و إنما الليرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و الحجة الثانية هي أن العجم - حسب رأيهم - تعني كل ما هو غير عربي و لكنها تطلق بشكل خاص على الفرس ، أو شعوب و قوميات ما يسمى حالياً بإيران ، و حصار العراق الاقتصادي في عهد صدام حسين كان حصاراً دولياً شاملاً من قبل الأمم المتحدة اشترك به العجم و اشترك فيه العرب أيضاً

وحصار الشام اليوم هو كذلك أيضاً ، هو ليس حصاراً مفروضاً فقط من قبل الغرب أو الروم .

فالحصار الذي نراه الآن على أهل الشام هو من قبل النظام النصيري بالدرجة الأولى و حلفاءه من الروس الصقالبة ، و الإيرانيين العجم ، و المليشيات الشيعية ، و يساهم به أيضاً الجيران العرب و حكام الأنظمة الجبرية ، بل حتى التنظيمات الجهادية كتنظيم الدولة الاسلامية وغيره و التي هي نفسها مُحاصَرة (بفتح الصاد) ، و بنفس الوقت مُحاصِرة أيضاً (بكسر الصاد) للمدنيين في المناطق المجاورة لمناطق سيطرتها

أما في فلسطين و في قطاع غزة خصوصاً - وهي جزء لا يتجزأ من أرض الشام - فالحصار هو أيضاً ليس من قبل الروم فقط ، و إنما من قبل اليهود و النظام المصري بالدرجة الأولى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذن سواء حصار كامل العراق الذي وقع بالأمس في زمن صدام ، أو حصار الشام وشمال العراق اليوم ؛ كل منهما هو حصار دولي شامل اشترك في تنفيذه العجم و العرب ، والروم و غير الروم

و هذه الأسباب دعت بعض المفسرين يقولون أن الحديث ليس ما شهدناه بالأمس القريب في العراق ، وما نشهده حالياً في الشام و شمال العراق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حسناً ، رغم صحة الدلائل التي استند عليها أصحاب هذا الرأي فيما يتعلق بهوية الجهة التي تفرض الحصار ، لكن النتيجة التي وصلوا اليها هي نتيجة خاطئة تماماً .

ليس فقط لأن الجدول الزمني لأحداث آخر الزمان يؤكد أننا الآن في زمن الحصار ، و الدلائل توحي باقتراب عودة الخلافة و ظهور الخليفة الذي يحثي المال حثياً و لا يعده عداً ؛ و انما لأن هؤلاء المفسرين لهذا الحديث وقعوا في خطأ كبير في قراءة الحديث و فهمه.

فهذا الحديث يضم في متنه كلام أو أقوال 3 جهات في حديث واحد .

1- الجهة الاولى هي النبي عليه الصلاة و السلام
2- والجهة الثانية هي الصحابي جابر بن عبد الله راوي الحديث
3- والجهة الثالثة هم التابعون الذين يسألون جابر و يستفهمون منه ومن بينهم أبو نضرة الذي نقل عن جابر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و يجب في هذا الحديث التفريق بين أقوال النبي المعصوم عليه الصلاة و السلام ، و الذي لا ينطق عن الهوى و التي اقتبس منها جابر خلال حديثه مع التابعين أو استشهد بها ، و بين أقوال جابر و سواه من غير المعصومين .
** و بسبب عدم امكانية تغيير شكل الخط على الفيسبوك أو إضافة ألوان لتمييز بعض الفقرات من الأحاديث ، قمت بعرض أقول النبي بالتشكيل ، و أقوال من سواه بدون تشكيل حتى يسهل التفريق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العبارة الأولى من الحديث " يوشك أهل العراق أن لا يجيء إليهم درهم ولا قفيز " هي ليست من كلام النبي عليه الصلاة و السلام باللفظ و الحرف ، وإنما هي كلامه بالمعنى الذي نقله جابر بن عبد الله رضي الله عنه بأسلوبه هو عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
و عندما سأله التابعون ، من أين سيكون حصار العراق ، أجاب جابر بن عبد الله حسب اجتهاده الشخصي هو ، و وفق المعطيات السياسية و التاريخية في عصره هو أيضاً فقال : إنه من قبل العجم ، لأن الفرس العجم هم تاريخياً الذين لديهم أطماع بالعراق و دائماً ما يحاولون السيطرة عليه و محاصرته في فترات ضعفه ، و لم يكن يدور في خلد جابر بن عبد الله أنه سيكون في المستقبل تقسيم وفق سايكس بيكو ، وسيكون هناك حكم جبري و مجلس أمن دولي يفرض حصار و يجبر جميع الدول على الالتزام به ، بما فيهم العرب

جابر بن عبد الله اجتهد في تحديد الجهة التي ستفرض الحصار - ويحق له ذلك - و جميع الصحابة تفعل ذلك ، لكنه في نفس الوقت فصل بشكل واضح وأمين بين كلامه هو ، أو اجتهاده هو و بين الكلام الذي سمعه من فم النبي عليه الصلاة و السلام

ثم سكت هُنيهة ، ثم قال : قال رسول الله صلى الله صلى الله عليه و سلم :
" يَكُونُ فِي آخرِ أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا لا يَعُدُّهُ عَدًّا "

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرسول عليه الصلاة و السلام أخبر الصحابة عن حصار سيصيب العراق ثم حصار سيصيب الشام في آخر الزمان دون أن يتحدث عن التفاصيل الصغيرة التي صاغها جابر بأسلوبه من قبيل قفيز أو مدي ، أو درهم أو دينار ..
إنما الموضوع بشكل عام هو حصار تام غذائي و مالي ، وبعد الحصار سيكون هناك الفرج على يد خليفة سيهدم أنظمة الحكم الجبرية المشتركة بالحصار و يستخرج الكنوز و الثروات
فيعطي المال صحاحاً ، ويحثي المال حثياً لا يعده عداً

وبهذا الفهم لهذا الحديث نستنتج أن الزمن قد اقترب كثيراً لخروج هذا الخليفة
فحصار العراق الشامل قد وقع فعلاً في عهد صدام ، وحصار الشام يحدث الآن ، و بعد هنيهة ستكون الخلافة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خامساً - هناك شيء خامس نلاحظه في الحديث ، و هو أن العملات الورقية التي تُعد عداً فقط ، و لا يمكن أن تُحثى حثياً ، ستنهار قبل خروج الخليفة ، أو مع خروجه ، و سيعود استخدام الدينار الذهبي و الدرهم الفضي

" يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا لا يَعُدُّهُ عَدًّا "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سادساً - الحديث له ارتباط وثيق بالمدينة المنورة في الحقبة المتزامنة مع الحصار مباشرة ، وكذلك في المرحلة التي يظهر فيها الخليفة الذي يكون على يديه الفرج الاقتصادي بعد الحصار الخانق

" لا يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْهَا إِلا أَبْدَلَهَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ ، وَلَيَسْمَعَنَّ نَاسٌ بِرُخْصٍ مِنْ أَسْعَارٍ وَرِزْقٍ فَيَتَّبِعُونَهُ ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ "

فالمدينة هي خير مكان للعيش فيه في زمن الحصار ، لكن الحديث يوحي أنها ستتأثر أيضاً به و لا سيما في المراحل الأخيرة قبيل ظهور الخليفة : أي في زمن السفياني الأخير ، لكن الرسول عليه الصلاة و السلام يأمر أهلها بالصبر ، لأنها من الناحية الاقتصادية – ستكون في حال أفضل نسبياً من العراق و الشام ، وفي الحديث حث للمؤمنين على التجمع في المدينة و الهجرة اليها في هذه الفترة ، لأنه اليها يأرز الإيمان كما تأرز الحية الى جحرها ، و منها سيبدأ التغيير الذي ينقل الأمة من الحضيض الى القمة ، ومن الحصار الى الفرج

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم :
"المدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون ، لا يدعها أحدٌ رغبةً عنها إلا أبدل الله فيها مَنْ هو خيٌر منه ، ولا يثبتُ أحدٌ على لأوْائِها وجَهْدِها إلا كنتُ له شفيعاً ، أو شهيداً يوم القيامة "

اللأواء : هي الشدة و ضيق العيش
/رواه مسلم /

وقال صلى الله عليه وسلَّم :
"يأتي على الناس زمانٌ يدعو الرجلُ ابنَ عمِّه وقريبَه هَلُمَّ إلى الرخاء ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، والذي
نفسي بيده لا يخرج منهم أحدٌ رغبةً عنها إلا أخلف الله فيها خيراً منه "
/ رواه مسلم /

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هناك حديث آخر يمكن له أن يكمل لنا الصورة و هو الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه رقمه (2896) ورواه عن أبو هريرة رضي الله عنه :

يقول أبو هريرة : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" مَنَعَتْ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا
وَمَنَعَتْ الشَّأْمُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا
وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا
وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ "

شهدَ على ذلك لحمُ أَبي هريرة ودمهُ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لكن يجب هنا أن أنوه الى ملاحظة هامة أيضاً تتعلق بهذا الحديث الثاني ، فبالإضافة إلى هذه القراءة التي أوردتها بالتشكيل لهذا الحديث ، و التي ترد فيها أفعال المنع بصيغة المبني للمعلوم ، هناك قراءة أخرى

و القراءة الثانية - و برأيي هي القراءة الأصح - تكون الأفعال فيها مبنية للمجهول : أي مُنعت العراق (بضم الميم) ، و ليس مَنعت (بفتح الميم)
و هذا يوافق ما رواه جابر بن عبد الله في الحديث الأول
عن حصار العراق ، ثم حصار الشام ، و بنفس التسلسل الذي ذكره أبو هريرة ، لكن أبو هريرة زاد عليه منع مصر في النهاية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي كلا الحديثين هناك تأكيد من قبل كلا الراويان - سواء جابر أو أبو هريرة - أن توقيت الحصارات المتسلسلة المتتالية سيتزامن مع الزمن الذي يعود فيه الإسلام غريباً كما بدأ غريباً
جابر يقول بعد أن ذكر خبر الحصار :

" والذي نفسي بيده ، ليعودن الأمر كما بدأ، و ليعودن كل إيمان إلى المدينة كما بدأ منها حتى يكون كل إيمان بالمدينة ."

أما أبو هريرة فينقل عن النبي -صلى الله عليه و سلم - قوله بعد أن ذكر خبر الحصار : "و عدتم من حيث بدأتم " كررها ثلاث مرات ، ثم يضيف أبو هريرة شهادته - هو - و هي شهادة قوية و عابرة للأجيال و صلت إلينا في هذا العصر :
" شهدَ على ذلك لحمُ أَبي هريرة ودمهُ "
أي أن هذا ما سمعه من النبي عليه الصلاة و السلام ، و هو وفق هذا التسلسل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لكن القراءة الأولى هي الأشهر - أي التي تكون فيه الأفعال مبنية للمعلوم ، أي : مَنعت العراق ، ومَنعت الشام ، و مَنعت مصر ، و أوردها مسلم في صحيحه بهذا الشكل
أي أن العراق هي التي منعت ، و الشام هي التي منعت وكذلك مصر ، و تم صياغة الفعل بالزمن الماضي ، رغم أن المراد به المستقبل ، للمبالغة في التأكيد على تحقق وقوعه لا محالة
و هذا يعني أن هذا الحديث سيصبح وفق هذه القراءة الأولى لا علاقة له لا من قريب و لا من بعيد بحديث جابر بن عبد الله عن حصار العراق ، ثم حصار الشام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإمام النووي رجّح أن تكون الكتابة للحديث بصيغة المعلوم و ليس المبني للمجهول
وعرض النووي 4 احتمالات لتفسير هذا الحديث وفق هذه الكتابة :

"1- وَفِي مَعْنَى مَنَعَتْ الْعِرَاق وَغَيْرهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ : أَحَدهمَا لِإِسْلَامِهِمْ , فَتَسْقُط عَنْهُمْ الْجِزْيَة , وَهَذَا قَدْ وُجِدَ .

2- وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَشْهَر أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَجَم وَالرُّوم يَسْتَوْلُونَ عَلَى الْبِلَاد فِي آخِر الزَّمَان , فَيَمْنَعُونَ حُصُول ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ .
3- وَقِيلَ : لِأَنَّهُمْ يَرْتَدُّونَ فِي آخِر الزَّمَان , فَيَمْنَعُونَ مَا لَزِمَهُمْ مِنْ الزَّكَاة وَغَيْرهَا .
4- وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْكُفَّار الَّذِينَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَة تَقْوَى شَوْكَتهمْ فِي آخِر الزَّمَان فَيَمْتَنِعُونَ مِمَّا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ مِنْ الْجِزْيَة وَالْخَرَاج وَغَيْر ذَلِكَ .

وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ " فَهُوَ بِمَعْنَى الْحَدِيث الْآخَر " بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبًا , وَسَيَعُودُ غرِيبًا كَمَا بَدَأَ "
انتهى كلام النووي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على كل حال النتيجة النهائية برأيي
أن كلا القراءتين للحديث الثاني الذي رواه أبو هريرة قد تحققتا ، سواء مَنعت ، أو مُنعت
باستثناء الحلقة الأخيرة المتعلقة بمصر فلم تتحقق حتى الآن ، اذا كان المعنى المقصود هو (مُنعت ) أي الحصار الاقتصادي
فمصر حتى الآن لم تُمنع إردبها و دينارها ، ولم يفرض عليها بعد حصار اقتصادي شامل ، و نسأل الله أن لا يتحقق ذلك ، رغم أن إرهاصاته تلوح بالأفق : كتسارع بناء سد النهضة في إثيوبيا و ازدياد احتقان الوضع الداخلي بسبب خيانة و لؤم النظام الحاكم ، وتسارع التأزم العالمي و الإقليمي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخلاصة :
بالأمس حصار العراق.
واليوم حصار الشام .
وغداً إن شاء الله الفرج مع الخليفة الذي يحثي المال حثياً ولا يعده عداً
.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نـور ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تسجيل الدخول

عدد الزيارات
وصل عدد زيارات المدونة منذ إطلاقها إلى 289040 زائر.
حول المدونة
يتم نشر مقالات الدكتور نور حفاظاً عليها من الفقدان نتيجة سياسات موقع فيسبوك والتبليغات.

الموقع متواضع جداً من ناحية التصميم لكنه مصمم بهدف القراءة الهادئة وبتمعن.
يتم عرض آخر 10 مقالات حسب تاريخ نشرها تنازلياً بغض النظر عن تصنيفها وقسمها حفاظاً على إستقرار إستضافة الموقع لمحدودية الموارد المجانية.

يمكنكم الدخول إلى الأقسام لاستعراض كافة المقالات.
المقال التالي
اسمحوا لي أن آخذ 7 دقائق من وقتكم في موضوع خاص

اسمحوا لي أن آخذ 7 دقائق من وقتكم في موضوع خاص

القسم: مقالات متفرقة متنوعة
نشر بتاريخ: Friday - 04/Nov/2016 @ 22:31
المقال السابق
4 عيون على اسرائيل

4 عيون على اسرائيل

القسم: مقالات متفرقة متنوعة
نشر بتاريخ: Friday - 04/Nov/2016 @ 22:13