(2) الشجرة الملعونة

عدد المشاهدات: 1215
القسم: عمر الأمة بعد النبوة في 4 مراحل 4 فتن
نشر بتاريخ: Friday - 04/Nov/2016 @ 22:37

عمر الأمة بعد النبوة في 4 مراحل و 4 فتن
.
الجذور و البذور
.
(2) الشجرة الملعونة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نحن الآن في بداية السنة التاسعة للهجرة
و في نهاية هذه السنة سيبلغ عمر كل من عبد الله بن الزبير و مروان بن الحكم و صافي بن صياد تسع سنوات

يعود النبي صلى الله عليه و سلم راجعاً إلى المدينة بعد حجة الوداع ، أما الحكم بن أبي العاص فيغادر مكة الى الطائف مصطحباً ابنه مروان ، فيما تتوافد وفود القبائل على المدينة المنورة لمبايعة النبي صلى الله عليه و سلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في هذا الوقت عبد الله بن الزبير كان طفلاً ، يلعب في أزقة المدينة مع الصبيان ، وتبدو عليه بشائر الزعامة و الأمارة ، فكانت لعبته المفضلة أن ينصب نفسه أميراً على الأطفال الذين يحبونه و يطيعونه.
وكان الأمير الصغير يرى في ذلك الوقت وفـود زعماء القبائل ، وسادات العرب تقبل على النبي صلى الله عليه و سلم و تبايعه
فجمع هو الآخر الصبية ، و شكل وفداً من الأطفال برئاسته كي يقوموا هم أيضاً بمبايعة النبي عليه الصلاة و السلام
و دخل بثقة الأسود على النبي صلى الله عليه و سلم ، و الأولاد يتبعونه على استحياء ، و مد يده كي يبايعه
فيبتسم النبي - صلى الله عليه وسلم – للشبل الصغير ، و يمد يده و يبايعه أمام رجال و سادات العرب
و يقول عنه هذا ابن أبيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد ذلك بفترة قصيرة يدخل عبد الله بن الزبير على بيت خالته عائشة والنبي عليه الصلاة و السلام عندها وكان يحتجم ، فلما فرغ من الحجامة ، قال له النبي صلى الله عليه و سلم : يا عبد الله ، اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد

فلما خرج من الحجرة كي يهرق الدم في مكان خفي كما أمره النبي ، نظر حوله ، ثم عمد إلى الدم ، فشربه ، فلما رجع إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، قال له : ما صنعت بالدم ؟
قال : عمدت إلى أخفى موضع علمت ، فجعلته فيه
قال : لعلك شربته ؟
قال : نعم .
قال : ولم شربت الدم ؟ ويلٌ للناس منك ، وويلٌ لك من الناس .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في نفس تلك الفترة كان أيضاً مروان بن الحكم بعمر 8 سنوات ، لكنه كان بعيداً عما يحدث في المدينة ، ولم يعش أجواء الغزوات ، والجهاد ، و لم يشهد أفراح الصحابة بالنصر ، أو فرحتهم بنزول الوحي من السماء .

كان مع أبيه يرتع في بساتين الطائف ، و يأكل من رمانها ، ويعيش حياة الأرستقراطيين في دعة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما ابن صياد فكان يعيش في ضواحي المدينة مع أمه و أبيه ، و شاع صيته بين أهل المدينة أنه هو الدجال ، لما كانوا يرون فيه من علامات ، ولما يسمعونه من همهمات و تمتمات سرية يزمزم بها و لا يفهمها أحد ، وكان على صغر سنه يستطيع أن يقرأ الأفكار أحياناً أو يوسوس بها في أدمغة المحيطين به
وقد سبق و رويت لكم جميع الأحاديث التي تظهر المحاولات المتكررة للنبي - صلى الله عليه وسلم- لاختبار ابن صياد ، كي تتبين له حقيقته ، لكنه لم يعلن رأياً قاطعاً فيه حتى وفاته
ومن بين محاولات النبي أذكركم بالمرة التي صار يسأله فيها عدة اسئلة
و كان عددها أربع أسئلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فقال له : يا صافي أتشهد اني رسول الله ؟
فقال الصبي : أنا أشهد أنك رسول الأميين
ثم نظر الفتى بوقاحة في عيني النبي صلى لله عليه و سلم وسأله :
يا محمد أتشهد بأني رسول الله ؟
فاستعاذ النبي بالله مرتين ثم قال له :
آمنت بالله و رسله ، آمنت بالله و رسله
ثم سأله النبي السؤال الثاني فقال له :
ما تَرى ؟
قال ابن صياد : أرى عرشاً فوق الماء
فقال النّبي: ترى عرش إِبليس فوق البحرِ ، ثم سأله النبي السؤال الثالث :فما ترى الآن ؟
قال: أرى صادقاً وَ كاذبين أَو صادقين وَ كاذبًا
فقال النّبيُ: خُـلِّطَ عليكَ الأَمرُ
ثم سأله السؤال الرابع : يا بن صياد قد خبأت لك خبيئة فما هي ؟
فسكت ابن صياد لحظة ثم قال : الـــــدخ ، الدخ !
فابتسم النبي وقال : اخسأ فلن تعدو قدرك
فسأل عمر ابن الخطاب: ما خبأت له يا رسول الله ؟
قال : خبأت له الدخـان
عندئذ انتفض عمر و قال : دعني يا رسول الله اقطع عنقه
فقال النبي له :دعه يا عمر ، إن يكن هو الدجال فلن تسلط عليه ( أي لن تقدر عليه )
وإن لم يكن هو ، فلا خير لك في قتله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لننتقل الآن في آلة الزمن إلى المحطة الثالثة وهي السنة 23 للهجرة

مع نهاية هذه السنة سيصير عمر كل من عبد الله بن الزبير و مروان بن الحكم و صافي بن صياد 23 سنة
لكن حدث في هذا اليوم شيء سيجعل الشيطان يرقص فرحاً
لقد كسر الباب المسدود في وجه الفتن ، و قتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بسكين مجوسي مسموم ، سكين صُنع في أصفهان .
الزبير بن العوام والد عبد الله بن الزبير كان أحد المرشحين الستة لخلافة عمر
لكن الشورى بين الصحابة جعلت الأمور تؤول الى عثمان بن عفان ابن عم مروان بن الحكم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد الله بن الزبير اليوم رجل مكتمل الرجولة ، وقد صار فارس فرسان المسلمين
وقد شهد اليرموك وكان لايزال عمره 12 سنة
و بعد تولي عثمان للخلافة ، يستمر عبد الله بن الزبير في خوض الفتوحات في عهد عثمان ، فينطلق مع الجيش الذي سيفتح شمال افريقيا
وهو فوق ذلك كان أحد النساخ و مدققي الكتابة الذين ائتمنهم عثمان على نسخ المصاحف بالرسم العثماني الموحد والتي سترسل الى جميع الأمصار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قبل ذلك بسنوات قليلة يأتي إلى المدينة قادماً من الطائف الشاب الأرستقراطي مروان بن الحكم و الذي لا تذكر كتب السيرة مشاركته بأي فتح من الفتوحات ، إلا أنه كان قارئاً للقرآن و متعلماً بشكل جيد ، فيبقى في المدينة كي يمارس عملاً بيروقراطيا أو إدارياً يتناسب مع مؤهلاته
يعيّـنه عمر بن الخطاب في أواخر عهده كموظف إداري يتتبع القضايا التي تعرض على دار القضاء
وفي عهد ابن عمه الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، يصير مروان أحد الكتاب في ديوانه ، ثم يأتمنه على ختم أمير المؤمنين .

أما ابن صياد فيعلن اسلامه و يبدأ يختلط بالصحابة و يمارس مهامه بين المسلمين في المدينة في تجميع البيانات و المعلومات ، كي يحيك خيوط شبكته العنكبوتية شيئاً فشيئاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من بين جميع الكائنات التي تتغذى على اصطياد الفرائس ، وحده العنكبوت هو الصياد الوحيد الذي لا يطارد فرائسه ولا يجري وراء ضحاياه ، و انما ينهمك في صناعة الشباك بصبر عجيب ، و يقبع فيها مراقباً و مرتقباً بصمت و خبث وسكون ، حتى تأتي الفريسة بنفسها ، وتعلق بين خيوطها اللزجة.

و بمقتل عمر ؛ بدأت الخيوط العنكبوتية الأولى لابن صياد تتشكل ، وكان أحد أعضاء شبكته ، ابن سبأ الذي جاء الى المدينة لفترة وجيزة ، ثم غادرها إلى البصرة مصحوباً بمعلومات و بيانات ، وتعليمات
وهناك استطاع أن يشكل جماعة من المتمردين كان على رأسها حكيم بن جبلة ، و الأشتر النخعي أحد المشاركين في اليرموك و المعروف بميله إلى علي ، و نفوره من عثمان
و وقع في شبكة ابن صياد كذلك بشر بن كنانة و عمرو بن الحمق قاتلي عثمان ، و حتى محمد بن أبي بكر الصديق
وسيكون من بين أعضاء الشبكة أيضاً ابن جيله ، الرجل الأرستقراطي الغامض :
مروان بن الحكم بن أبي العاص : كاتب عثمان ، وحامل ختمه ، .........
و مزور خطاباته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السنة الخامسة و الثلاثين للهجرة
الثلاثة الآن متواجدون في المدينة ، و ثلاثتهم في ذروة الشباب و ذروة الطموح و القوة .

في هذه السنة يدخل المتمردون القادمون من العراق و مصر مع رؤوس الفتنة إلى المدينة مطالبين بعزل عثمان وولاته
عبد الله بن الزبير يشهد الأحداث من أولها الى آخرها ، و يدافع عن أمير المؤمنين.
مروان بن الحكم أيضاً كان في قلب الحدث لأنه كاتب الخليفة والمتهم الرئيسي بتزوير الخطابات
أما الرجل العنكبوت ابن صياد فكان في شبكته يراقب الفرائس بصمت ، ويحرك خيوط الشر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ينجح عثمان بن عفان بحكمته في اطفاء نار الفتنة و الرد على الشبهات التي جاء بها المتمردون
فكانوا يعدّون عليه النقاط ، وهو يردّ عليهم ، ولا يتكلمون بعد أن يرد ، وبعد أن انتهوا من حوارهم قال لهم: ماذا تريدون؟
فقالوا له: أن تعزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح من ولاية مصر ، وتولِّي محمد بن أبي بكر الصديق .
فوافقهم عثمان رضي الله عنه على ذلك ، وكتب لهم كتابًا بتولية محمد بن أبي بكر على مصر ، وعزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وشرط عليهم عثمان رضي الله عنه أن يطيعوا محمد بن أبي بكر و أن لا يفرقوا جماعة المسلمين ، فأعطوه عهدًا بذلك وخرجوا من المدينة راضين.
و ظنّ المسلمون في المدينة أن الفتنة قد خمدت ، وباتوا ليلة سعيدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خرج جميع المتمردين من المدينة راجعين إلى بلادهم ، الا اثنين فقط
هما الأشتر النخعي ، وحكيم بن جبلة
وسلك الوفد المصري الشمال الغربي عائدًا إلى مصر، بينما سلك الوفد العراقي طريق الشمال الشرقي، فكانوا كلما ساروا كلٌ في طريقه ، كلما ابتعدوا عن بعضهم.

وبينما الوفد المصري في طريق عودته إذا براكب على ناقة يقترب مراراً منهم ثم يفارقهم ثم يعود فيقترب و كأنه يريد أن يلفت نظرهم و يوحي لهم أنه يتبعهم ، فشكّ القوم في أمره ، فأمسكوا به وقالوا له: من أنت؟
فقال لهم: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر.

فلما قال لهم أنه رسول عثمان ، فتشوه ، فوجدوا معه رسالة فيها أمر من عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى عامله بمصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بقتل بعض أهل الفتنة وسمّاهم له ، وصلْب بعضهم ، وتقطيع أطراف بعضهم ، وقتل محمد بن أبي بكر الصديق.

والكلام مختوم بخاتم عثمان بن عفان رضي الله عنه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فلما قرأه القوم ثارت ثائرتهم ، و رجعوا إلى المدينة المنورة مرة أخرى ، وفي طريق رجوعهم جاءتهم رسالة أخرى من علي بن أبي طالب يأمرهم بالقدوم إلى المدينة.

تعجب أهل المدينة من عودة هؤلاء المتمردين مرة أخرى بعد أن كانوا في طريقهم إلى بلادهم ، فخرج إليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال المتمردون: ألم تر إلى عدو الله - يقصدون عثمان رضي الله عنه - كتب فينا كذا وكذا- وأروه الكتاب - وقد أحلّ الله دمه، فقم معنا إليه.
فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: والله لا أقوم معكم إلى هذا.
فقالوا له: فلِمَ كتبت إلينا إذن ؟
فاستغرب علي من السؤال و قال: والله ما كتبت إليكم شيئًا.
فنظر القوم بعضهم إلى بعض بتعجب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وبينما هم يتناقشون مع علي في أمر هذا الخطابين الذين عليهم ختم عثمان و توقيع علي ، إذا بالوفد العراقي يعود هو الآخر إلى المدينة في نفس التوقيت ، فخرج إليهم مجموعة من الصحابة ، وقالوا لهم: ما أرجعكم بعد ذهابكم؟
فقالوا: جئنا لنصرة إخواننا المصريين.

فقال لهم علي بن أبي طالب: كيف علمتم بما حدث لأهل مصر وأنتم على بعد مراحل منهم ، ثم طويتم نحونا؟
هذا والله أمر دُبّر بالمدينة !

في هذا الوقت يريد الصحابة التيقن من حقيقة هذا الخطاب المختوم بخاتم عثمان رضي الله عنه
فذهبوا مع المتمردين إلى عثمان رضي الله عنه، وأروه الخطاب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ففوجئ رضي الله عنه بالخطاب المزور و قال : ائتوني ببينة على ذلك، والله ما كتبت، ولا أمليت، ولا دريت بشيءٍ من ذلك، والختم قد يُزوّر على الخاتم.
وبلا شك كان اسم مروان بن الحكم هو الاسم الأول الذي شك فيه الجميع ، بما فيهم عثمان .
فقال بعض المتمردين : إذن كتبه مروان بن الحكم
وأرادوا تسليم مروان إليهم ، فخشي عثمان رضي الله عنه إن سلّمهم ابن عمه مروان أن يقتلوه ، فرفض تسليمه إليهم وهم في ثورة الغضب ، و أراد التيقن من الأمر بنفسه .
فصدقه بعض الناس وكذبه آخرون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم تتطور الأحداث بسرعة ، فهناك من ينفث فيها النار كي يؤججها ولا يترك وقتا للتفكير السليم
و يحاصر المتمردون دار الخلافة و يحبس فيها عثمان ، و يقطع عنه الماء ، و يرفض أمير المؤمنين كما هو معروف أن يدافع عنه أحد من الصحابة كي لا تسفك الدماء لأن معظم الجيوش في الأمصار و معظم أهل المدينة في الحج ، و المتمردين المسلحين الغاضبين هم الأكثرية من حيث العدد و العدة
و في غمرة ذلك ينسى الجميع موضوع تزوير الخطابات و ينتقل (التركيز الإعلامي ) الى عزل الخليفة أو قتله ، وتتوالى دوامة ردود الأفعال
يقوم عبد الله بن الزبير بحراسة أمير المؤمنين مع ابناء الصحابة الآخرين ومن بينهم الحسن و الحسين و عبد الله بن عمر
بينما يتوارى عن الأنظار المتهم الرئيسي مروان بن الحكم وهو ابن عم عثمان و ينجو بنفسه في هذه الظروف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم تتطور الأحداث في اليوم التالي كما هو معروف و يقتحم بعض المتمردين دار عثمان بعد أن أحرقوا باب بيته
، وبينما كانوا يحرقون البيت و يعيثون به فساداً و بعضهم يقاتل القلة القليلة من أبناء الصحابة في الخارج و على رأسهم عبد الله بن الزبير الذي جرح في القتال
يدخل على عثمان في غمرة الهرج و المرج رجل ملثم مجهول تسميه بعض الروايات التاريخية بالموت الأسود و يخنقه خنقًا شديدًا حتى ظن أنه مات ، فيتركه ، و ينصرف بسرعة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وما هي الا لحظات حتى يدخل محمد بن أبي بكر الصديق ، و كان الوحيد من أبناء الصحابة الذي شارك في هذه الفتنة في هذا الوقت ، فدخل عليه ، وكان يظنه قد مات ، فوجده حيًّا
فقال له: على أي دين أنت يا نعثل ؟
فقال عثمان رضي الله عنه : على دين الإسلام ، ولست بنعثل ، ولكني أمير المؤمنين.
فقال: غيّرت كتابَ الله.
فقال عثمان رضي الله عنه: كتاب الله بيني وبينكم.
فتقدم إليه وأخذ بلحيته وهزّه منها وقال: إنا لا نقبل أن نكون يوم القيامة مما يقول {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ}
فإلى هذه اللحظة ، ومحمد بن أبي بكر الصديق ، وبعض أفراد الفتنة يظنون أنهم يفعلون الخير بقتلهم ، أو خلعهم لعثمان رضي الله عنه ، و أنهم في جهاد طاعةً لله ، ونجاةً من النار.
فقال عثمان رضي الله عنه: يا ابن أخي إنك أمسكت لحية كان أبوك يكرمها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فلما قال له عثمان رضي الله عنه ذلك كأن الحقيقة قد وضحت فجأةً أمامه ، وكأن عثمان أزال بهذه الكلمات غشاوة كانت تحجب الحق والصواب عن قلبه ، وتذكر تاريخ عثمان رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع أبيه الصديق رضي الله عنه ، ومع المسلمين
فاستحيا و خارت يده من على لحية عثمان ، ثم تركه وانصرف و هو يبكي
فوجد القوم يدخلون على عثمان رضي الله عنه ، فأمسك سيفه ، وبدأ يدافع عنه ، ولكنهم غلبوه فلم يستطع أن يمنعهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و اقترب كنانة بن بشر، من عثمان الملقى على الأرض ، فحمل سيفه وضرب به أمير المؤمنين ، فاتّقاه رضي الله عنه بيده فقطعت ، وتقطرت الدماء من يده على المصحف ، و سقطت على آية :
{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ}

ثم جاءت الضربة القاضية و كانت من يد عمرو بن الحمق
فأخذ يطعن عثمان في صدره تسع طعنات ، وهو يقول : هذه الثلاثة الأولى لله ، وهذه الست لشيء في نفسي
و همّ أن يقطع رأسه لولا صراخ نائلة زوجة عثمان و بناته

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقد كفى الله المسلمين القصاص من قتلة عثمان ، فجميعهم قد قتلوا ، الواحد تلو الآخر
وضرب الله الظالمين بالظالمين
كنانة بن بشر ، عمرو بن الحمق ، الاشتر النخعي ، حكيم بن جبلة و جميع من ساعد على قتل عثمان ، و حتى محمد بن ابو بكر الصديق الذي تاب في اثناء الفتنة ، كلهم ماتوا قتلاً بتدبير الهي حكيم
{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ}

الجميع قُـتل بنفس الطريقة التي قتلوا بها عثمان ، بما فيهم الرجل الملثم المجهول الذي حاول خنق عثمان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نـور ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من هو هذا الموت الأسود المندس بين المتمردين و المتعجل لقتل عثمان رضي الله عنه ؟
هل هو ابن سبأ ، ام ابن صياد ، ام هو رجل آخر ؟
للحديث بقية

تسجيل الدخول

عدد الزيارات
وصل عدد زيارات المدونة منذ إطلاقها إلى 289101 زائر.
حول المدونة
يتم نشر مقالات الدكتور نور حفاظاً عليها من الفقدان نتيجة سياسات موقع فيسبوك والتبليغات.

الموقع متواضع جداً من ناحية التصميم لكنه مصمم بهدف القراءة الهادئة وبتمعن.
يتم عرض آخر 10 مقالات حسب تاريخ نشرها تنازلياً بغض النظر عن تصنيفها وقسمها حفاظاً على إستقرار إستضافة الموقع لمحدودية الموارد المجانية.

يمكنكم الدخول إلى الأقسام لاستعراض كافة المقالات.
المقال التالي
(3) ريح الشر

(3) ريح الشر

القسم: عمر الأمة بعد النبوة في 4 مراحل 4 فتن
نشر بتاريخ: Friday - 04/Nov/2016 @ 22:38
المقال السابق
( 1 ) جذور الحكاية

( 1 ) جذور الحكاية

القسم: عمر الأمة بعد النبوة في 4 مراحل 4 فتن
نشر بتاريخ: Friday - 04/Nov/2016 @ 22:35