(5) انسلاخ الرجل العنكبوت

عدد المشاهدات: 1432
القسم: عمر الأمة بعد النبوة في 4 مراحل 4 فتن
نشر بتاريخ: Thursday - 17/Nov/2016 @ 15:42

السنة 63 للهجرة
.
بعد خذلان من تشيّع للحسين من أهل الكوفة في كربلاء وانكارهم خطابات النصرة و تركهم له وحيداً يجابه القوة العاتية ليزيد وجنوده ، يستشهد الحسين ويقطع رأسه ورؤوس أنصاره القلائل ، و تساق السيدة زينب بنت فاطمة الزهراء و أخت الحسن و الحسين مع القلة القليلة ممن بقي حياً من نساء وأطفال بني هاشم الصغار يُسقنّ جميعاً كأسرى وسبايا إلى والي يزيد على الكوفة و العراق عبيد الله بن زياد ، والذي بدوره يأمر بإرسال موكب السبي إلى دمشق على أن يسلك طريقاً طويلاً يمر بمعظم المدن و الحواضر في الشام قبل الوصول إلى قصر يزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وينطلق الموكب من الكوفة فيبكي أهلها أو يتباكون لرؤية مشهد السبي والسيدة زينب بنت فاطمة الزهراء مضرجة بدماء أخيها الحسين ، و الطفل الرضيع علي زين العابدين بن الحسين متشبثٌ بثوبها ، وكان الناجي الوحيد من أبناء الحسين بعد مذبحة عاشوراء
فتخاطب السيدة زينب أهل العراق و هي مساقة بالحبال :
" أتبكون ؟؟!!
فلا سكنت العبرة و لا هدأت الرنة
ويلكم أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم ؟ وأي عهد نكثتم؟ "

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ويسير موكب السيدة زينب الأسيرة من الكوفة إلى دمشق ، ورأس أخيها ورؤوس ولديها وأهل بيتها و أحبتها من بني هاشم تتمايل أمامها مرفوعة على أسنة الرماح طوال الطريق الطويل ، وعندما يصلون قصر يزيد يُـدخلونها عليه في مجلس الرجال وهي مقيدةٌ بالحبال ، فتخاطبه قائلة:

" أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإمائك وسوقك بنات رسول الله سبایا ، و قد هتكت ستورهنّ وأبديت وجوههنّ، تحدو بهنّ الأعداء من بلد إلی بلد؟ "

فيأمر بفك قيودها ويرسلها بعد ذلك إلى مدينة جدها رسول الله عليه الصلاة و السلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في سنة 63 هجرية كان مروان بن الحكم لا يزال يقيم في المدينة المنورة لكن ليس بصفته والياً عليها ، لأن يزيد كان قد عزله من ولايتها بعد مقتل الحسين
و كان يزيد قد أعاده اليها بعيد وفاة والده معاوية الذي سبق له هو أيضاً أن عزله من ولايتها قبل ذلك
أما عبد الله بن الزبير فكان قد أشعل في مكة ثورة ضد حكم يزيد فور وصول الأنباء باستشهاد الحسين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تصل السيدة زينب إلى المدينة ويتزامن وصولها مع عودة وفد من أشراف المدينة بعد زيارة لاستطلاع الحقائق قاموا بها إلى دار الحكم في دمشق التقوا فيها بيزيد بن معاوية و عاينوا فيها عن قرب عبثه وفساد بطانته

و ينتشر بين الناس في الحجاز أن يزيداً و حاشيته و شبيحته من قبيلة كلب يشربون الخمر و لا يصلون
كل هذه الأسباب جعلت أهل المدينة يجتمعون على خلع يزيد ، و يطردون ولاته و عماله من الحجاز ، ويحاصرون مروان بن الحكم في دار بني أمية
فيكتب مروان خطاباً مؤثراً يستثير فيه حمية الدم الجاهلية في نفس يزيد ، ويبالغ فيه في وصف إهانة أهل المدينة لبني أمية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعندما وصل الخطاب إلى يزيد كان في قصره الدمشقي واضعاً قدميه في طست ماء بارد
فما أن قرأ رسالة مروان حتى ثارت ثائرته ، وأمر بإرسال جيش كبير بقيادة مسلم بن عقبة ، وقال له :
" ادع القوم ثلاثاً حتى يستجيبوا لك ، وإلا فقاتلهم ، فإذا ظهرت عليهم فانهب المدينة ثلاثة أيام ، وكل ما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند ، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس "
ثم أمره بالمسير إلى مكة لقتال ابن الزبير الذي بدأت تنهال عليه البيعات من الحجاز بعد خلع يزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و هكذا ينطلق جيش يزيد من الشام و قوامه الرئيسي من كلب و يعسكر على حدود المدينة المنورة ويحاصرها ثلاث أيام
ويتحصن أهل المدينة داخلها ، ويحاولون بقوتهم الصغيرة غير المتكافئة مع الجيش الغازي حماية ما أمكنهم من الثغرات حولها
و خلال هذه الأيام الثلاث تأتيهم من داخل المدينة معلومات استراتيجية كي يهاجموا المدينة عبر أضعف الثغرات الدفاعية حولها وهي منطقة على أطرافها تُسمَّى حرّة زُهرة
و ربما كان ابن صياد أو مروان بن الحكم الحبيس داخل المدينة هما من أرسلا هذه المعلومات إلى قادة الجيش الشامي الغازي

حرّة زُهرة هي منطقة بركانية قرب المدينة سبق و مر بها رسول الله صلى الله عليه و سلم في أحد أسفاره فما أن دخلها حتى جاءته في اليقظة رؤيا مستقبلية مخيفة جعلته يسترجع (أو يتقيأ )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روى البيهقي :
أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ فِي سَفَرٍ مِنْ أَسْفَارِهِ فَلَمَّا مَرَّ بِـحَرَّةِ زُهْرَةٍ وَقَفَ فَاسْتَرْجَعَ ، فَسَاءَ ذَلِكَ مَنْ مَعَهُ وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ سَفَرِهِمْ ،
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الَّذِي رَأَيْتَ ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَمَا إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ سَفَرِكُمْ هَذَا "
قَالُوا : فَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟

قَالَ : " يُـقْتَلُ بِهَذِهِ الْحَرَّةِ خِيَارُ أُمَّتِي بَعْدَ أَصْحَابِي "

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهذه الرؤيا المسبقة التي شاهدها رسول الله من قبل ، وقعت بحذافيرها في سنة 63 هجرية
لقد حدث نفس المشهد المؤلم الذي رآه النبي في حياته و آذاه الى الدرجة التي جعلته يسترجع ...
جثث المعمرين من كبار الصحابة متناثرة فوق صخور الحرة السوداء ، وأشلاء خيار الأمة من التابعين وقد ذبحوا على أيدي جيش يزيد و شبيحته في معركة غير متكافئة.

لقد قُـتل في الدفاع عن المدينة العشرات من المعمرين من الصحابة و الأنصار و المئات من خيار التابعين ، ومن بين الذين قتلوا أيضاً كانت الثلة الأخيرة من الصحابة التي شهدت غزوة بدر و يقال أنهم كانوا ثمانين صحابياً في ذلك الوقت
و بعد الحرة لم يبق فوق الأرض بدري واحد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و بعد أن اقتحم الجيش الغازي المدينة أمر قائده عقبة بن مسلم جنوده باستباحة المدينة ثلاثة أيام – حسب أوامر يزيد – فصاروا يقتلون الناس ويأخذون المتاع والأموال ، و تروي بعض الروايات أن ثلة من جنود يزيد الشاميين و شبيحته من كلب قاموا بنتف لحية الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه نتفاً كما يفعل الآن أحفادهم من جنود الاسد النصيريين مع لحى شيوخ و أبدال أهل الشام
و يروي الرواة أن (الجنود البواسل ) سرقوا و نهبوا أموال أهل المدينة واستباحوا بيوتها و لم يتركوا شيئاً من عفشها بشكل يشبه تماماً (العمليات البطولية) التي يبرع بها الجيش العربي السوري حالياً والمسماة بـ (التعفيش )
ومن بين الذين نهبت أموالهم و بيوتهم كان جابر بن عبد الله رضي الله عنه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و لعلكم لا زلتم تذكرون أن كلاً من أبي سعيد الخدري و جابر بن عبد الله رضي لله عنهما كان لكل واحد منهما موقفاً صدامياً حاداً و عدائياً مع ابن صياد
بل إن جابر ظل يقسم حتى آخر لحظة من حياته أن ابن صياد هو الدجال حتى لو مات أو اسلم أو دخل مكة و المدينة
و استهداف هذين الصحابيين المسنين و الكبيرين أكثر من غيرهما من قبل شبيحة كلب لم يكن بالصدفة

فهل ابن صياد الذي عُرف عنه منذ أن كان طفلاً صغيراً قدرته على قراءة الأفكار أو الوسوسة بها عن بعد يستطيع أن يبث أفكاره في صدور الشبيحة منفلتي الزمام كي يمارسوا عربدتهم ضد أعداءه خصوصاً و يصفي حساباته القديمة مع خصومه من الصحابة ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نعم إنه يستطيع ، بل أنه استطاع وهو طفل صغير أن يقوم بأكثر من ذلك
لقد قام بعملية (هاكر) جزئية حتى على صدر رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و فك نصف ( كلمة السر ) التي أضمرها النبي في قلبه

و ربما فعل ابن صياد هذا وهو بين صفوف أهل المدينة متظاهراً بالدفاع عنها ، وما أن أنهى مهمته و استبيحت المدينة حتى اختفى فجأة ، لأن مهلة السنوات الثلاث و الستون التي قضاها في المدينة قد انتهت الآن
فبحثوا عنه فلم يجدوه لا بين الأموات و لا بين الأحياء ، كأنه ذاب كما يذوب الملح في الماء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يروي جابر قصته مع نهب شبيحة يزيد لمتاع وأموال أهل المدينة فيقول :
عن جابر بن عبد الله قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتلاحق بي وتحتي بعير ناضح لي قد أعيا ، ولا يكاد يسير
(أي كان يركب على جمل كبير السن مريض و بطيء في مسيره )
فقال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ما لبعيرك ؟ "
قلت : عليل
قال : فتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فزجره ودعا له ، فما زال بين يدي الإبل قدامها يسير
فقال لي : " كيف ترى بعيرك ؟
قلت : بخير قد أصابته بركتك
قال : " أفتبيعنيه ؟ "
فاستحييت ، ولم يكن لنا ناضح غيره
فقلت : نعم أبيعه
فبعته إياه على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة
(أي باع الجمل الذي يركبه للنبي صلى الله عليه و سلم بشرط أن يظل يركب عل ظهره حتى يصل الى المدينة)
فلما قدمت المدينة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال : " أعطه أوقية من ذهب و زده " فأعطاني أوقية من ذهب ، وزادني قيراطاً
و لا تفارقني زيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان في كيس لي ((( فأخذه أهل الشام يوم الحرّة.)))
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قال النبي عليه الصلاة و السلام
من أراد أهل هذه البلدة بسوء - يعني المدينة - أَذابه الله كما يذوب الملح في الماء
/رواه البخاري ومسلم/
و قال عليه الصلاة و السلام :
" المدينة حرم ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثاً ، أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"
و دعى النبي لأهل المدينة فقال :
" اللهم اغفر للأنصار و لأبناء الأنصار و أبناء أبناء الأنصار "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعندما انتهى مسلم بن عقبة المري من المدينة المنورة اتجه بجنده نحو مكة المكرمة يريد عبد الله بن الزبير، لكنه لم يكد يخرج من المدينة حتى نزل به الموت ، وكأن لعنة استباحة المدينة المنورة قد سبقته الى حتفه
فقال حين الاحتضار:
"اللهم إن عذبتني بعد طاعتي لخليفتك يزيد بن معاوية وقتل أهل المدينة فإني إذاً لشقي".
ثم خرجت نفسه ودفن في المدينة
فجاءت امرأة من الأنصار فنبشت قبره وصلبته ، وأقبل الناس يرجموه
فلما بلغ ذلك الحصين بن نمير - وهو القائد الجديد لجيش يزيد الذي خلف مسلم بن عقبة - رجع و دفنه وقتل جماعة من أهل ذلك الموضع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثم سار الحصين إلى مكة حسب وصية يزيد بن معاوية كي يقاتل ابن الزبير المتحصن في حرمها والذي كان يعد العدة لمواجهة يزيد وتصحيح مسار الخلافة
فما أن وصل الجيش الغازي الى مكة وحاصرها ، ونصبت المنجنيقات حول الحرم ، استعداداً لقصف البيت الحرام و قتل ( العائذ ) عبد الله بن الزبير ؛
حتى جاءت الأخبار من دمشق بوفاة يزيد بن معاوية بن ابي سفيان ، فلما تأكدوا من النبأ ، اضطرب الجنود و خافوا وتوقفوا عن القتال ، ورجع الجيش الى الشام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و بعد وفاة يزيد آلت الامور الى ابنه معاوية الذي سرعان ما تنازل عن الحُكم - وقد كان تقياً على عكس أبيه - و أعلن أنه لا يُمكنه حمل عبئ الحكم وترك الأمر شورى للمسلمين كي يختاروا لأنفسهم خليفة لهم من بعد أبيه .
و هذا الأمر أغضب بطانة يزيد و زعماء بني أمية الذين اعتبروا ما قام به الابن البكر جبناً و ضعفاً و لقبوه بأبي ليلى تحقيراً من شانه
فدخل بيته و لم يخرج منه الا جثة هامدة ، لأنه بعد أيام قليلة فقط من تنازله عن الحكم مات (( في ظروف غامضة))
و بقى منصب الخليفة شاغراً لثلاثة أشهر ، لأن خالد الابن الثاني ليزيد كان لا يزال غلاماً يافعاً ، فوقع الخلاف في بني أمية و حلفاءهم من القبائل في أمر الخلافة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في هذه الأثناء أعلن من مكة المكرمة عبد الله بن الزبير نفسه خليفة للمسلمين في خلافة على منهاج النبوة ، فانهالت البيعات على ابن الزبير و بايعته تقريباً جميع الأمصار :
مصر ، المغرب ، اليمن ، عُمان ، خراسان ، الحجاز ، العراق جميعها بايعت البذرة الطاهرة و ابن ابيه كما وصفه رسول الله ، و أول مولود للمسلمين بعد الهجرة كخليفة شرعي لكل المسلمين
وتتالت البيعات من الولايات و القبائل كأحجار الدومينو ، في حدث متسارع يشبه ثورات الربيع العربي
حتى صار بعض الناس يسقطون حديث رسول الله عن مراحل عمر الأمة على زمنهم في ذلك العصر ؛ فها هي الخلافة الثانية على منهاج النبوة تعود على يد عبد الله بن الزبير بعد الملك العاض لمعاوية ، و الحكم الجبري ليزيد بن معاوية

لولا أن شيئاً واحداً كان ناقصاً ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقد كان هناك اقليم واحد فقط لم يبايع عبد الله بن الزبير بالخلافة.
و هذا الإقليم هو مربط النظام العالمي عبر كل العصور
نعم ، إنه الشام .
الشام في ذلك الوقت هي - للأسف - التي عكست حركة أحجار الدومينو في الربيع الاسلامي

و انقسم أهل بلاد الشام إلى فريقين:
فريق معارض للأمويين ، وكان من أنصار عودة الخلافة على منهاج النبوة و ابطال نظام التوريث الملكي ، فبايع ابن الزبير بالخلافة ، وكان مركز ثقله في قبيلة قيس.
والفريق الآخر كان موالياً لبني أمية و مؤيداً لاستمرار ملكهم العاض ، و كان مركز ثقله و محركه الرئيسي قبيلة كلب
و اندلعت الحرب الأهلية في الشام بين قيس و كلب ومن يوالي كل منهما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و قاد حركة التمرد الأموية ضد الخليفة الجديد عبد الله بن الزبير رجل سفياني مدعوم من قبيلة كلب
رجل من بني أمية ولد تقريباً في نفس السنة التي ولد بها عبد الله بن الزبير .

هذا الرجل السفياني هو الذي لعن رسول الله أباه ، وهو لا يزال بذرة في صلبه ، وهو فضض من لعنة الله كما قالت عنه السيدة عائشة
هذا الرجل السفياني هو الذي رآه النبي في نومه بعد فتح مكة – وكان حينها غلاماً صغيراً – رآه ينزو هو و أولاده على منبره كما تنزو القردة .. ويقول الصحابة أن رسول الله ما شوهد ضاحكاً بعد هذه الرؤيا حتى مات
هذا الرجل السفياني هو الذي ائتمنه ابن عمه عثمان رضي الله عنه على خاتمه فخان الأمانة و زوّر الخطابات ، و كان السبب المباشر في فتنة الأحلاس التي استحل فيها الدم ولا تزال تموج كموج البحر
هذا الرجل هو الذي خدع الزبير و طلحة و حرضهما على الاستعانة بأهل البصرة لأخذ القصاص من قتلة عثمان ، وانضم إليهما فوقعا في فخ معركة الجمل ، وهو في نفس الوقت المتهم الرئيسي بقتل طلحة غدراً
هذا الرجل هو الذي قصده أبو هريرة موجهاً إليه كلامه عندما كان والياً على المدينة مخبراً إياه بما سمعه من الصادق المصدوق عندما قال: هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش
هذا الرجل الذي لم يشارك بأي من الفتوحات و كل معاركه التي خاضها في حياته كانت في الحروب الداخلية ضد أهل الإسلام و لأهداف سياسية
و اسم ذلك الرجل الذي لا يزال يدافع عنه مفتي السلطان و الببغاءت من عوام السنة منذ أكثر من ألف وثلاثمائة سنة متوهمين بسذاجة أنهم بذلك يخالفون الشيعة ، ولو على الباطل ... مروان بن الحكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من يقومون بعملية تجميلية للتاريخ ، ويضعون عليه مساحيق المكياج المنافية للذوق العقلي السليم يقومون بعملية بشعة تشبه في بشاعتها ايواء أو التستر على محدث أحدث أمراً عظيماً في المدينة
وأي حدث أكبر من عملية تزوير خاتم أمير المؤمنين و خطاباته لاشعال نار فتنة لم تنطفأ حتى اليوم

" المدينة حرم ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثاً ، أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقد رأى النبي كل ذلك في حياته في أحد الأيام
كان جالساً على حافة بئر أريس في قباء ، و قد كشف عن ساقيه ودلاَهما في البئر ، و كان البئر في مزرعة نخيل كانت لليهود ، ولها باب من جريد
في ذلك اليوم تطوع صحابي يماني جليل اسمه ابو موسى الأشعري أن يكون بواباً لرسول الله
فجلس عند الباب و رسول الله يتأمل في مياه البئر ، ومن هنا دعونا نستمع الى بقية القصة من فم الشاهد عليها أبو موسى الأشعري و هي موجودة في صحيح البخاري :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن سعيد بن المسيب قال أَخبرني أبو موسى الأشعري أنه توضأ في بيته ثم خرج ، فقال لنفسه :" لألزمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأكونن معه يومى هذا " ,
قال: فجاء المسجد فسأَل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا خرج ووجه هاهنا ،
قال: " فخرجت على إِثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس فجلست عند الباب ، وبابها من جريد حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته فتوضأ فقمت إِليه فإِذا هو جالس على بئرِ أريس وتوسط قفها وكشف عن ساقيه ودلاَهما في البئر ، فسلمت عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب ، فقلت لأكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم .

فجاء أبو بكر فدفع الباب فقلت من هذا فقال أبو بكر , فقلت على رسلك ثم ذهبت فقلت يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن
فقال : ائذن له وبشره بالجنة
فأقبلت حتى قلت لأبى بكر ادخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة , فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول اللَه صلى الله عليه وسلم معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع النبى صلى الله عليه وسلم وكشف عن ساقيه ، ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقنى فقلت إِن يرد الله بفلان خيراً - يريد أخاه - يأت به , فإذا إِنسان يحرك الباب فقلت من هذا فقال عمر بن الخطاب فقلت على رسلك ثم جئت إِلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فقلت هذا عمر بن الخطاب يستأذن
فقال : ائذن له وبشره بالجنة
فجئت فقلت ادخل وبشرك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالجنة , فدخل فجلس مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في القف عن يساره ودلى رجليه في البئر ثم رجعت فجلست ، فقلت إِن يرد اللَّه بفلان خيرا يأت به , فجاء إِنسان يحرك الباب فقلت من هذا فقال عثمان بن عفان فقلت على رسلك فجئت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأخبرته
فقال : ائذن له وبشره بالجنة على ((( بلوى تصيبه )))

فجئته فقلت له ادخل وبشرك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالجنة على بلوى تصيبك فدخل فوجد القف قد ملئ فجلس وجاهه من الشق الآخر .
قال سعيد بن المسيب فأولتها قبورهم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سعيد بن المسيب أوّل هذه الحادثة الغريبة بأنها قبورهم ..فقد دفن الشيخان أبو بكر و عمر إلى جانب رسول الله كما جلسا إلى جانبه على حافة البئر
أما عثمان فدفن أمامهم في الشق الآخر في مقبرة البقيع
و هذا التأويل صحيح من جانب واحد فقط ، لكن (((البلوى))) التي ستصيب عثمان لها علاقة بالخاتم و ليس بمكان الدفن
خاتم النبي عليه الصلاة و السلام كان يلازم اصبعه ثم انتقل بعد وفاته الى اصبع أبو بكر و من بعده إلى عمر ، ومن بعده إلى عثمان حتى السنة السادسة من خلافته عندما سقط الخاتم من يده وهو يجلس على حافة نفس البئر - بئر أريس بالذات - وظل الصحابة يبحثون عنه ثلاثة أيام دون جدوى ، حتى أنهم أزاحوا ماء البئر تماماً و لم يجدو لخاتم النبي أي أثر ، واختفى خاتم النبي من يومها وكأن الجن قد ذهبت به

من أخذ خاتم النبي عليه الصلاة و السلام ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هل كان في المدينة في ذلك الوقت رجلٌ لا يريد التزحزح منها و يعرف كل شعابها و له القدرة على التواصل مع الجن ويستطيع أن يأمرهم باحضار الخاتم؟

رجل استطاع - مثلاً - أن يرى وهو غلام صغير عرش ابليس على الماء ؟

غلام صغير اختبأ النبي في يوم ما خلف جذوع النخل كي يستمع اليه وهو يزمزم بهمهمات و تمتمات الى الجن في نفس المكان تقريباً قبل أكثر من 20 سنة من فقدان الخاتم؟؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد فقدان خاتم النبي اغتم عثمان لذلك غماً شديداً ، حتى أمر فيما بعد بصناعة خاتم مطابق تماماً له
و كانت هذه اشارة إلى عثمان رضي الله عنه أن (( البلوى )) التي ستصيبه و التي أخبره إياها النبي صلى الله عليه و سلم في بئر أريس لها علاقة بالخاتم الذي أضاعه عثمان في بئر أريس أيضاً ، ولها علاقة تحديداً بتزوير الخاتم

عن أنس قال:
كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في يده ، وفي يد أبي بكر، وفي يد عمر بعد أبي بكر، قال: فلما كان عثمان جلس على بئر أريس فأخذ الخاتم فجعل يعبث به فسقط قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان، فنزح البئر فلم يجده.
/صحيح مسلم /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن البلوى لم تصب عثمان فحسب ، بل أصابت كل الأمة ... و كأنه باب كسر و لن يرد أبداً ...والسبب هو الرجل الذي زوّر الخطابات و زوّر الخاتم
مروان بن الحكم

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ *
/ الأنعام ، آية 112/

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)
/الفرقان /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نـور ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كيف سيفعلها مروان هذه المرة ؟
كيف سيعكس حركة أحجار الدومينو و يثبت عجلة التاريخ على الملك العاض لمدة ألف سنة ؟
.
.
للحديث بقية

تسجيل الدخول

عدد الزيارات
وصل عدد زيارات المدونة منذ إطلاقها إلى 289099 زائر.
حول المدونة
يتم نشر مقالات الدكتور نور حفاظاً عليها من الفقدان نتيجة سياسات موقع فيسبوك والتبليغات.

الموقع متواضع جداً من ناحية التصميم لكنه مصمم بهدف القراءة الهادئة وبتمعن.
يتم عرض آخر 10 مقالات حسب تاريخ نشرها تنازلياً بغض النظر عن تصنيفها وقسمها حفاظاً على إستقرار إستضافة الموقع لمحدودية الموارد المجانية.

يمكنكم الدخول إلى الأقسام لاستعراض كافة المقالات.
المقال التالي
(6) الساعة الأخيرة

(6) الساعة الأخيرة

القسم: عمر الأمة بعد النبوة في 4 مراحل 4 فتن
نشر بتاريخ: Thursday - 17/Nov/2016 @ 18:36
المقال السابق
(4) سنة ستين ، و إمارة الصبيان

(4) سنة ستين ، و إمارة الصبيان

القسم: عمر الأمة بعد النبوة في 4 مراحل 4 فتن
نشر بتاريخ: Friday - 04/Nov/2016 @ 22:40