(3) يثرب - المدينة المنورة

عدد المشاهدات: 3274
القسم: (القدس - حلب - اسطنبول - المدينة المنورة) وآخر الزمان
نشر بتاريخ: Friday - 17/Jul/2015 @ 23:31

المدينة - خراب يثرب



عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ, وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ, وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ, وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ، ثُمَّ ضَرَبَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِ أو منكب عمر بن الخطاب ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَقٌّ كَمَا أَنَّكَ قَاعِدٌ هَا هُنَا"()



ذكرت في السابق أننا نعيش اليوم في مرحلة عمران بيت المقدس, والعمران الذي تعيشه القدس اليوم هو عمران مادي واضح للجميع مع تسارع البناء والاستيطان في القدس, وهو كذلك عمران معنوي مع تصدر القدس وأخبارها واجهة الاهتمام الدولي .



فماذا عن المدينة المنورة أو يثرب وفق هذا الحـديث ؟



هل هي الآن في حالة خراب ؟



وهل الخراب مادي فقط ؟



أم هو خراب معنوي فقط ؟



أم هوالاثنين معا ؟



حسنأ، هذه المرة سأقول لكم الجواب فوراً، وبدون مقدمات، ومن الآخر:



خراب يثرب اليوم هو الاثنين معاً, هو خراب مادي كبير جداً يكاد يكون شبه تام, وخراب معنوي ذو مظاهر مختلفة, وهو خراب واقع ومحقق اليوم، أي في الزمن الحاضر الذي نعيشه الآن .



لقد قلت لكم أنه بالإضافة للمنهجية التي أتبعها كي أفهم النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان وأسميها النظرة البانورامية الشاملة يوجد أيضاً ثلاثة اتجاهات فكرية أو ثلاث فرق أخرى في مقاربة أحاديث آخر الزمان .



دعونا في البداية نستعرض كيف يفسر كل فريق من الفرق الثلاث الأخرى موضوع خراب يثرب في ضوء هذا الحديث وفي ضوء الواقع اليوم:




  1. الفريق الأول وأسميهم أصحاب الاتجاه العقلي الدنيوي: ويمثله عدنان إبراهيم وغيره، هؤلاء سيرفضون كالعادة بكل رعونة أي حديث في كتب السنة فيه ذكر الدجال أو الملحمة أوغيرها من فتن آخر الزمان التي لا يؤمنون بها أصلاً لذلك ليس عندهم تفسير إلا الإنكار ولن يقدموا لنا شيئاً

  2. الفريق الثاني أصحاب المدرسة السلفية والتفسير الحرفي للنصوص: فإنهم سينظرون إلى المدينة المنورة اليوم بنفس الطريقة التي ينظرون بها إلى النصوص والأحاديث فسيرون بعيون البصر حركة عمرانية نشطة في المدينة واستثمارات مزدهرة في القطاع العقاري وسيقولون أن خراب يثرب لم يحدث بعد وسيتركون الحديث كالعادة للمستقبل كي يفسره لنا                https://www.youtube.com/watch?v=5FuCY2-wf_M

  3. الفريق الثالث أصحاب اللغة الرمزية وشطحات الخيال: سيفسر كل واحد منهم الخراب على أنه خراب معنوي فقط وليس خراباً مادياً، وكل واحد منهم سيجتهد لتأويل كلمة خراب يثرب على طريقته, عمران حسين على سبيل المثال سيقول أن الخراب ذو معنى مجازي ويقصد به تراجع الدور السياسي للمدينة المنورة مقابل صعود الدور السياسي للقدس، فالمدينة اليوم لا تلعب أي دور سياسي لا على المستوى الدولي ولا الإسلامي بل ولا على المستوى المحلي، وهو محق جزئياً في هذا التفسير لكن انحسار التأثير السياسي -لوحده- لأي مدينة في العالم لا يسمى خرابا، فالتأثير السياسي في قضايا العالم لكل المدن العربية يكاد يكون معدوم.



                                   https://www.youtube.com/watch?v=cmohuRMISNg



وأنا أصر على أنه كما أن عمران بيت المقدس اليوم هو عمران مادي ومعنوي فكذلك المقصود بخراب يثرب اليوم هو خراب مادي ومعنوي, وأعود وأكرر أنَّ الخراب هو حدث واقع الآن، وهو خراب مادي كبير يكاد يكون شبه تام، وأيضاً خراب معنوي ذو مظاهر مختلفة .



نحن اليوم في السنوات الخداعات التي تختلف فيها مظاهر الأشياء عن حقيقتها وجوهرها اختلافاً تاماً, ومن ينظر إلى المدينة المنورة اليوم بعيون البصر سيرى بدون شك ازدهاراً عمرانياً. 



في المدينة الآن مشاريع عمرانية تكلف المليارات من الريالات, وهناك اوتوسترادات وطرق سريعة وأنفاق, ومولات وفنادق الفخمة في كل مكان، هذا ما نراه بعيون البصر.



لكننا سنرى شيئاً مختلفاً تماماً لو نظرنا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيون البصيرة ...



لكن دعونا قبل أن ننظر للمدينة ببصائرنا، دعونا نلقي أولاً نظرة بانورامية شاملة على جميع الأحاديث النبوية التي تتعلق بالمدينة في آخر الزمان، لنستعرضها جميعها ونحاول أن نكتشف الحبل المنطقي أو نظام المعنى الذي يربط بينها دون أن يكون هناك أي تناقض أو تنافر بالمعنى، ودون أن نهمل أي حديث، فكل حديث نبوي أو أثر بالنسبة لنا في هذه المنهجية هو جوهرة نادرة وله محل من الإعراب فالأحاديث - كما أذكركم دائماً - هي كقطع الفسيفساء كل حديث يرسم جزء من الصورة وترتيب جميع الأحاديث معا سيرسم لنا الصورة الكاملة،



ولتسأل أنفسنا بعد ذلك:



هل المدينة ستتعرض للخراب قبل الملحمة وخروج الدجال كما يوحي بذلك هذا الحديث الذي يرويه معاذ بن جبل أم أن بقية الأحاديث الأخرى ستقول شيء مختلف ؟



عن ابن سعد بن أبي وقاص، قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: « إن الإيمان بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ, فطوبى يومئذ للغرباء, وهم الذين يصلحون إذا فسد الناس, والذي نفس أبي القاسم بيده ليأرزن() الإيمان بين هذين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها »() .



وفي الحديث الصحيح المتفق عليه روى أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا »().



عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا »().



    هذه الأحاديث فيها بيان لحدث عظيم في آخر الزمان وهو أن الإيمان الذي خرج من المدينة أول الأمر وانتشر في أصقاع المعمورة شرقا وغربا ودخل فيه الناس أفواجاً، هذا الإيمان سينحسر ويقل ويصبح غريباً في آخر الزمان فيعود وينزوي إلى أصله في المدينة كما تعود الحية بعد انتشارها إلى جحرها، وهذا فيه دليل عن أن المدينة لن يصيبها الخراب المعنوي الروحي أو الإيماني، فالثلة الباقية من أهل الإيمان ستأوي إلى المدينة فيأتيهم الدجال ولا يستطيع دخولها؛ لأنها محروسة بالملائكة وتحمى من الفتن,



   لكن دعونا نتابع استعراض بقية الأحاديث قبل أن نقفز إلى الاستنتاج.



وقال صلى الله عليه وسلم:"يأتي على الناس زمانٌ يدعو الرجلُ ابنَ عمِّه وقريبَه هَلُمَّ إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج منهم أحدٌ رغبةً عنها إلا أخلف الله فيها خيراً منه"()



وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون ، لا يدعها أحدٌ رغبةً عنها إلا أبدل الله فيها مَنْ هو خيٌر منه ، ولا يثبتُ أحدٌ على لأوْائِها وجَهْدِها إلا كنتُ له شفيعاً ، أو شهيداً يوم القيامة"()



في هذه الأحاديث حثٌ نبوي لأهل المدينة ومن يهاجر إليها على البقاء فيها وتحمل تقلبات الزمان والأوقات الصعبة التي قد تمر عليها، وهذه الأحاديث يعرفها كل أهل المدينة ويعرفون فضل العيش فيها وفضل الموت فيها، لذلك لن يخرج أهل المدينة من مدينتهم إلا حدث جلل عظيم يجبرهم جبراً على تركها.



فهل هذا الحدث هو فتنة الدجال التي هي أعظم فتنة في الأرض ؟



عن محجن بن الأدرع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: "يوم الخلاص وما يوم الخلاص، يوم الخلاص وما يوم الخلاص، يوم خلاص وما يوم الخلاص، فقيل له: وما يوم الخلاص؟ قال: "يجيء الدجال فيصعد جبل أحد فينظر المدينة فيقول لأصحابه أترون هذا القصر الأبيض؟ هذا مسجد أحمد، ثم يأتي المدينة فيجد بكل نقب منها مَلًكاً مصلتاً فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات فلا يبقى منافق ولا منافقة ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه فذلك يوم الخلاص"().



وهذا الحديث الصحيح واضح وضوح الشمس، ويتحدث فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن حالة المدينة عند خروج الدجال، فالدجال عندما سيحاول غزو المدينة التي ستكون مأهولة وعامرة مادياً، وعامرة كذلك إيمانياً وروحانياً، رغم وجود بعض المنافقين فيها، والمسجد النبوي سيكون كالقصر الأبيض في ذلك الوقت.



وهناك حديث آخر ساطع واضح وضوح الشمس يرويه أبو هريرة يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "آخـرُ قـريَةٍ مِن قـرى الإِسـلام خــرابـا المدِينَة"()



إذاً كما هو واضح من كل هذه الأحاديث الصحيحة أن المدينة ستبقى عامرة ولن يصيبها الخراب سواء على المستوى المادي أو على المستوى الروحاني والإيماني لا بعد عمران بيت المقدس ولا بعد الملحمة، ولا حتى بعد خروج الدجال



وهذا من فضائل هذه المدينة المنورة الطيبة: حيث ستبقى عامرةً حتى تكون آخر قرية من قرى الإسلام خراباً؛ لأنها مأْرِزَ الإيمان، ومستقرَّه، ويقال أنه فيها سيدفن المسيح عيسى بن مريم.



أما الحديث الذي رواه معاذ بن جبل فينصُّ على أنَّ الخراب سيقع بعد عمران بيت المقدس مباشرة، وأن خراب المدينة سيحدث  قبل الملحمة الكبرى التي ستكون في مرحلة الخلافة ما بعد المهدي عليه السلام، أي: أنَّ هذا الحديث -بهذا الفهم السطحي له- يتناقض مع الحبل المنطقي أو نظام المعنى الذي رسمته الأحاديث الصحيحة السابقة التي تتحدث عن المدينة والدجال في آخر الزمان، والأهم من ذلك أنه يتناقض مع ما تراه أعييننا وأبصارنا على أرض الواقع الآن من حركة عمرانية نشطة تجتاح المدينة .



المدينة المنورة اليوم هي في حالة عمران إذا نظرنا إليها بالبصر، فهل نرمي هذا الحديث وراء ظهورنا؛ لأنه حديث يتناقض مع بقية الأحاديث رغم أنه حديث صحيح السند، أم نحاول أنْ نفهمه بشكل آخر ؟



حسناً، أظن أنكم في حيرة الآن.



لكن لولاحظتم أن جميع الأحاديث السابقة عندما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتحدث عن المدينة في آخر الزمان ذكرها باسمها الجديد الذي هو سماها به أي:  "المدينة"



فقال: "يأرز الإيمان إلى المدينة" ، "يجيء الدجال فيصعد جبل أحد فينظر المدينة" ، "ترجف المدينة ثلاث رجفات" ، "المدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون" ، "لا يخرج رجل من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه" ، "آخـرُ قـريَةٍ مِن قـرى الإِسـلام خــرابـا المدِينَة"،...الخ



دائماً استخدم كلمة المدينة في جميع تلك الأحاديث، ما عدا في الحديث الذي رواه معاذ بن جبل، فقال: "خراب يثرب"، ولم يقل خراب المدينة



لماذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام - فقط - في حديث معاذ بن جبل عمران بيت المقدس "خراب يثرب"، ولم يقل عمران بيت المقدس خراب المدينة ؟



كي نجيب على هذا السؤال لا بد لنا أن نستخدم أداتنا الأولى في مثلث المنهجية التي نتبعها لفهم النبي في آخر الزمان، وهي المعرفة الموسوعية العامة, علينا أن ننظر هذه المرة في شخصية راوي الحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه لأن معاذاً - ربما - سيعطينا رأس الخيط لنعرف الجواب.



معاذ بن جبل الذي روى هذا الحديث هو أنصاري، أي هو من أهل المدينة, ولد في يثرب وأسلم وعاش معظم حياته في يثرب حتى قبل وفاته ببضع شهور عندما استخلفه الفاروق على الشام، وهناك مات وعمره (33) سنة.



ما أريد أن أصل إليه من سيرة معاذ بن جبل رضي الله عنه هو أن المكان الذي سمع فيه معاذ هذا الحديث من فم الرسول عليه الصلاة والسلام هو المدينة وليس مكة



والزمان الذي أخبر به الرسول هذا الحديث هو بعد هجرته من مكة إلى يثرب التي ما أن وصلها حتى أطلق عليها اسمها الجديد المدينة .



فهذا الحديث هو حديث مدني وليس حديثا مكياً، وتاريخ نطق الرسول به هو بعد الهجرة وليس قبل الهجرة، يعني لو كان هذا الحديث - مكياً - قيل قبل الهجرة فإنه من المنطقي أن يستخدم الرسول صلى الله عليه وسلم  الاسم القديم يثرب؛ لأن الاسم الجديد - المدينة - لم يكن قد عرفه الناس بعد .



لكن الرسول صلى الله عليه وسلم  ذكر عبارة خراب يثرب بعد أن تغير اسم يثرب وصار المدينة.



 ماذا يعني هذا ؟



ألم يكن من المنطقي أكثر أن يستخدم الرسول عليه الصلاة والسلام الاسم الجديد الذي أطلقه هو بنفسه على المدينة ليشير به إلى الخراب الذي سيحيق بها في آخر الزمان وقبيل خروج الملحمة وليس الاسم القديم يثرب؟



خاصة أنَّ الخراب سيحدث في آخر الزمان، واسم المدينة مناسب للموقف أكثر من اسم يثرب؛ لأن الحدث يتعلق بمستقبل البلدة وليس بماضيها.



فلماذا لم يقل عمران بيت المقدس خراب المدينة ؟



 



أظن أن حيرتكم الآن قد زادت أكثر, وأظن أنه قد حان الوقت كي نستخدم جهاز التنقيب عن الرسائل المشفرة ونسبر الأغوار العميقة لكلمات النبي الذي أوتي جوامع الكلم.



لقد تعلمنا أننا في قراءتنا لأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام يجب أن لا ننسى أبداً أننا نتعامل مع كلمات وعبارات عميقة ومكثفة لنبي بليغ أوتي جوامع الكلم.



إشارة الرسول عليه الصلاة والسلام لهذا الخراب المستقبلي بعبارة "خراب يثرب" وليس خراب المدينة فيها لفتة لطيفة أن الخراب المادي الذي سيطال مباني المدينة المنورة قبل الملحمة سيصيب تحديداً كل ما هو قديم وتاريخي فيها،  أي: خراب كل المباني الأثرية التي تعود إلى المرحلة التاريخية التي كانت تسمى فيها المدينة باسم يثرب.



 وعملياً، كل ما له علاقة بأثار الرسول والصحابة وآل البيت في المدينة لأن هذه الآثار هي ما حافظ عليه المسلمون طوال (14) قرناً من يثرب القديمة، وبقي كثير من تلك الآثار حتى الثلث الأخير من القرن العشرين، عندما بدأت الفوبيا المصطنعة من اتخاذ الآثار النبوية مكاناً للشرك وتبعتها حملة ضارية ومتخلفة لهدم كل ما تبقى من يثرب القديمة بحجة توسعة الحرم و إقامة الفنادق المحيطة به.



بدأ خراب يثرب في الثلث الأخير من القرن العشرين وتزامن مع نفس الفترة التي بدأ فيها عمران بيت المقدس, وفيما كانت الجرافات الاسرائيلة تنبش أرض بيت المقدس وتحفر الأنفاق تحت الأقصى بحثاً عن أي أثر ولو ضئيل عن تاريخ اليهود في أورشليم القديمة، كانت جرافات أخرى تردم بكل رعونة تاريخ المسلمين في يثرب القديمة وتعربد فوق أنقاضها بلا مبالاة.



لم يبق في المدينة الآن أي بناء قديم أو أي مكان يعود للفترة التاريخية التي كانت تسمى فيها المدينة باسم يثرب، وما بعدها أيضاً



 كل المباني الأثرية هدمت وخربت, حتى المكان الذي شهد غزوة الخندق - عند السبع مساجد - ردم وطمست كل معالمه, وكذلك قبور الصحابة في مقبرة البقيع كلها أخفيت وأزيلت شواهدها, وجميع المباني والدور الأثرية أزيلت بالتوسعة.



ولم يبق من يثرب أي شيئ تاريخي، لا شيئ قديم على الإطلاق, حتى المسجد النبوي تغيرت جميع معالمه، وصار قصراً أبيضاً, لقد وقع خراب يثرب وبني على أنقاضها فنادق ومطاعم ومباني تجارية يمتلكها أصحاب النفوذ.



 



لكن الخراب كما سبق وقلت ليس خراباً مادياً فقط بل هو خراب معنوي أكبر, وهذا الخراب يتظاهر بعدة مظاهر, وأهمها خراب الدور السياسي والحضاري للمدينة, فقد غاب في هذا العصر دور المدينة المنورة السياسي تماماً وكأنها ليست مدينة النبي وأول عاصمة للخلافة.



 ولم يسبق للمدينة أن عانت مثل هذا التهميش السياسي في أي مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي



متى كانت آخر مرة شاهدنا في التلفزيون أو قرأنا في الصحف أو الانترنت خبراً عن المدينة المنورة ؟



وما هو الدور السياسي أو حتى الثقافي الذي تلعبه مدينة النبي في عالم اليوم ؟



حتى عندما انتقلت عاصمة الخلافة من المدينة إلى دمشق ومن بعدها إلى بقية العواصم، ظل للمدينة دورها المؤثر على كل الصعد, إلا أن هذا الدور السياسي والديني للمدينة لم يتلاشَ إلا في القرن الماضي وتزامن كذلك مع صعود الدور السياسي و الحضاري للقدس.



المدينة الآن هي وجهة للسياحة الدينية فقط, مكان للزيارة والتبرك، وعندما تتحول وظيفة المدينة المنورة إلى قبلة سياحية فقط يعني أنك وضعتها بنفس الخانة مع متحف اللوفر، أو جزر المالديف أو ديزني لاند, وهذا يعني أنك خربت دور المدينة الحقيقي الذي لن تعوضه أي مدينة أخرى في العالم.



الخراب ليس فقط خراب المكان إنه أيضاً خراب المكانة، إنه خراب الدور التاريخي والوظيفة الحضارية التي ينبغي أن تلعبها المدينة في العالم الاسلامي .



المدينة اليوم وقد بلغ عدد مسلمي العالم مليار ونصف لا تعج بالمدارس ولا المعاهد الدينية والجامعات الإسلامية كما ينبغي أن يكون، وشوارعها لا تزدحم بمئات آلاف الطلبة والطالبات ولا تنتشر في كل حي من أحيائها دور النشر والمكتبات الضخمة كما يليق بها، ولا توجد فيها محطات تلفزة إسلامية تبث بجميع لغات العالم لنشر العقيدة الصحيحة, المدينة ينبغي أن تكون مركز الإشعاع الحضاري والمرجعية الأولى للعقيدة الصحيحة لكل مسلمي الأرض, هذا هو دور المدينة الحضاري الحقيقي.



وفيما تمتلئ القدس بالجامعات ومراكز البحوث, لا نرى في المدينة سوى جامعة اسلامية يتيمة واحدة ذات سياسة متشددة في قبول الطلاب (الأجانب) الذين لا يزيدون عن بضع مئات في أحسن الحالات, وبدلاً من المدارس والجامعات ومراكز الإشعاع الحضاري سيرى الزائر للمدينة اليوم مئات ومئات الفنادق وعشرات المولات والمطاعم .



هليتون المدينة الذي تمتلكه عائلة هيلتون الماسونية والتي لا تخفي دعمها العلني لإسرائيل يحاذي الحرم النبوي مباشرة, مطاعم ماكدونالد وكنتاكي الامريكية لها عشرات الفروع الآن في المدينة والحجاز, وهذه المطاعم أيضاً تمتلكها عائلات أمريكية ثرية داعمة لإسرائيل وربما تتبرع سنوياً بجزء من أرباحها التي تجنيها من خراب يثرب لعمران أورشليم.



أليس كل ما يحصل الآن هو خراب معنوي للمدينة ؟



لكن الخراب المعنوي للمدينة له مظهر ثالث أيضاً !



تجري في المدينة الآن حركة تشـيّـع محمومة في السر والعلن, وقد سمعنا منذ سنتين خبراً مرّ سريعاً ودون تفاصيل شافية عن إلقاء قوى الأمن السعودية القبض على بعض أعضاء شبكة تجسسس شيعية كبيرة مرتبطة بإيران وبعض أعضاءها هم من المستوطنين الشيعة في المدينة, التغلغل الشيعي صار كبيراً جداً في المدينة المنورة بسبب إما عدم الوعي بخطورة من يسبون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بسبب الفساد الذي يسهل شراء الشيعة لمساحات واسعة من الأراضي.



لا يوجد هناك إحصائيات موثوقة ودقيقة لنسبة مساحة الأراضي التي استولى عليها الشيعة في مدينتنا, ولا للأعداد الحقيقية للشيعة المتسللين إلى المدينة والتي كانت منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى عهد قريب مدينةً لأهل السنة والجماعة بشكل نقي وخال من أي شوائب, لكن التقديرات غير الرسمية تقدر نسبة المستوطنين الشيعة حالياً في مدينتنا المنورة ما بين الربع والثلث، وهي نسبة خطيرة جداً ومؤشر كبير على الخراب المعنوي للمدينة, وهو مؤشر كبير أيضاً أن الوقت قد أزف؛ لأن المدينة ستكون معمورة وقت خروج الدجال ولن يتمكن من دخولها, لكنّ المنافقين والخبثاء والفسقة سيكونون قد عشعشوا فيها وسيخرجون إليه بعد ثلاث رجفات, وذلك يوم الخلاص.



"يجيء الدجال فيصعد جبل أحد فينظر المدينة فيقول لأصحابه : أترون هذا القصر الأبيض ؟ هذا مسجد أحمد. ثم يأتي المدينة فيجد بكل نقب منها مَلًكاً مصلتاً فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات فلا يبقى منافق ولا منافقة ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه فذلك يوم الخلاص"()



لاحظوا في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف المسجد النبوي كما يراه الدجال من أعلى الجبل بالقصر الأبيض، والنبي حينما قال هذا الكلام كان مسجده البسيط مبني من لبنات طينية ذات لون بني وكان سقفه من سعف النخيل وعماده من جذوعها.



لم تستخدم الحجارة البيضاء في عمارة المسجد النبوي إلا بعد خراب يثرب، وذلك في التوسعة الأخيرة في عهد الملك فهد في بداية التسعينات من القرن العشرين، ومن ينظر إلى المسجد النبوي الآن من جبل أحد سيبدو تماماً كقصر أبيض، وهذا يعني أن خروج الدجال قريب.



لقد حدث بالفعل خراب يثرب، وحدث عمران بيت المقدس, وجيلنا يشهد الآن الحدثين معاً, وهذا يعني أيضاً حسب الجدول الزمني الذي يقدمه لنا الرسول عليه الصلاة والسلام أن جيلنا يقف الآن على أبواب الملحمة, وأن طبول الحرب تقرع الآن لـ خروج الملحمة



ولكن ما هي الملحمة ؟



الملحمة الكبرى هي أكبر حرب سيخوضها المسلمون بعد عودة الخلافة على منهاج النبوة، تصل نسبة ضحاياها إلى 99% من الذين يشتركون فيها, وهي كما يصفها من أوتي جوامع الكلم - نبينا - عليه الصلاة والسلام : "مقتلة لم ير مثلها"



ماذا يعني أنه لم ير مثلها قط ؟



لقد رأينا آلاف الحروب والمجازر والمذابح عبر تاريخ البشر المليء بسفك الدماء, رأينا محاكم التفتيش الكاثوليكية الفظيعة التي دامت 3 قرون ومحت وجود المسلمين تماماً من الأندلس ونفذها شبيحة أوربا بعد أن سرقوا اكتشاف البحارة المسلمين لأمريكا والعالم الجديد, ورأينا الإبادة الجماعية التي نفذها أبناء هؤلاء الشبيحة من المهاجرين الأوربيين ضد الهنود الحمر وقتلوا أكثر من 100 مليون من سكان أمريكا الأصليين, ورأينا الحرب النووية التي أحرقت هيروشيما وقام بها أحفاد أولئك الشبيحة في الحرب العالمية الثانية, ورأينا المجازر الهمجية التي نفذها حلفائهم اليهود في فلسطين ووكلاءهم النصيريون في الشام، وكلابهم العلمانيون في مصر, لقد رأينا الكثير الكثير من القتل.



لكن الرسول الذي لا يليق به المبالغة ولا التهويل بالكلام - وحاشاه صلى الله عليه وسلم - يقول بكلمات مضبوطة يعني كل حرف فيها أن المقتلة التي ستحدث في الملحمة لم ير مثلها، "حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم، فما يخلفهم حتى يخر ميتا"()



المقتلة التي لم ير مثلها قط سيبدو معها كل ما سبق من حروب كحفلة ألعاب نارية؛ لأن أكبر مقتلة في تاريخ الإنسان ستدمر الكثير من منجزات المدنية والحضارة.



ومن عجائب القدر أنها ستحدث في نفس المهد الذي ولدت فيه أول حضارة مدنية في العالم.



ستحدث في نفس المكان الذي تم فيه تصنيع أول أسلحة القتل في تاريخ الإنسانية .



ستحدث في أقدم حواضر التاريخ، وأجمل مدن الشرق, عند المدينة الغامضة البهية، الحاضرة المنسية، الفاجرة التـقية، الملوثة النـقية، الضعيفة القوية.



 



أهلا بكم في حلب



                                                                                          وللحديث بقية





()  حسن: أخرجه أحمد في مسنده (36/ 352)، وأبو داوود في سننه (4/110) رقم(4294) والطبراني في المعجم الكبير (20/108)، وابن أبي شيبة في المصنف (38473)، والبغوي في شرح السنة (4252)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (519) وحسَّنه، الداني في السنن الواردة في الفتن (4/ 930) رقم (489)، وضعفه شعيب الأرنؤوط "إسناده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان" وأورد الذهبي هذا الحديث من مناكيره، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح (3/ 1494) رقم (5424) وفي صحيح الجامع الصغير (2/ 754) رقم (4096).





()  معنى يأرز: أي ينضم ويجتمع ويعود إلى المدينة كما بدأ بها .





()  السنن الواردة في الفتن للداني (3/ 635) .





()  صحيح البخاري (3/ 21) ،صحيح مسلم (1/ 131)





()  صحيح مسلم (1/ 131)





()  صحيح مسلم (2/ 1005) رقم (1381)





()  صحيح مسلم (2/ 992) رقم (1363)



 





()  ضعيف الاسناد: أخرجه أحمد في مسنده (31/ 312) رقم (18975)فسنده منقطه لأنَّ عبد الله بن شقيق لم يسمع محجن بن الأدرع، وبقية رجاله ثقات، وأخرجه الحاكم في المستدرك (4/ 586) برقم (8631) وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأورده الهيثمي في "المجمع" 3/308، وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.





()  ضعيف: سنن الترمذي (5/ 720) رقم (3919) وقال حسن غريب،، والداني في السنن الواردة في الفتن (4/ 890) رقم (460) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (3/465) برقم(1300) وضعيف الجامع الصغير رقم (4) .





()  أخرجه أحمد في مسنده (31/ 312) رقم (18975) و سنده منقطع لأنَّ عبد الله بن شقيق لم يسمع محجن بن الأدرع، وبقية رجاله ثقات، وأخرجه الحاكم في المستدرك (4/ 586) برقم (8631) وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأورده الهيثمي في "المجمع" 3/308، وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.





()  صحيح مسلم (4/ 2223)، وأحمد في مسنده (3/ 527)، صحيح ابن حبان (15/ 192).





تسجيل الدخول

عدد الزيارات
وصل عدد زيارات المدونة منذ إطلاقها إلى 430428 زائر.
حول المدونة
يتم نشر مقالات الدكتور نور حفاظاً عليها من الفقدان نتيجة سياسات موقع فيسبوك والتبليغات.

الموقع متواضع جداً من ناحية التصميم لكنه مصمم بهدف القراءة الهادئة وبتمعن.
يتم عرض آخر 10 مقالات حسب تاريخ نشرها تنازلياً بغض النظر عن تصنيفها وقسمها حفاظاً على إستقرار إستضافة الموقع لمحدودية الموارد المجانية.

يمكنكم الدخول إلى الأقسام لاستعراض كافة المقالات.
المقال التالي
(4) حلب

(4) حلب

القسم: (القدس - حلب - اسطنبول - المدينة المنورة) وآخر الزمان
نشر بتاريخ: Friday - 17/Jul/2015 @ 23:36
المقال السابق
(2) القدس

(2) القدس

القسم: (القدس - حلب - اسطنبول - المدينة المنورة) وآخر الزمان
نشر بتاريخ: Friday - 17/Jul/2015 @ 23:31